القمري والهجري
بين حسابات الفلك ورؤية البصر: التقويم القمري والتقويم الهجري
عمار السكجي، فيزيائي نظري
منذ أن رفع الإنسان عينيه إلى السماء، أدرك أن الزمن ليس مجرد أرقام تُدوَّن، بل إيقاع كوني تُنظّمه حركة الأجرام، فالشمس تضبط إيقاع النهار، والقمر يرسم ملامح الشهور، ومع كل اقتراب لنهاية شهر هجري، يتجدد السؤال في الفضاء العام: لماذا تعلن بعض الدول بداية الشهر بينما تؤخره أخرى؟ وهل يتعارض الحساب الفلكي مع الرؤية الشرعية، أم أن المسألة أعمق من مجرد اختلاف في المنهج؟
علم الفلك يحدد بداية الشهر القمري عند لحظة دقيقة تُعرف بالاقتران المركزي، حين يصطف القمر بين الأرض والشمس على خط واحد تقريباً، في تلك اللحظة، يدخل القمر طور المحاق، إذ يكون وجهه المواجه للأرض مظلماً، فلا يمكن رؤيته بالعين المجردة ولا حتى بالتلسكوبات، هذه اللحظة تُعد نقطة الصفر فلكياً، وهي حدث كوني يقع في توقيت واحد بالنسبة إلى العالم كله، ويمكن حسابه اليوم بدقة متناهية بفضل النماذج الرياضية المتقدمة التي تعتمدها مؤسسات علمية كبرى مثل وكالة ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية وغيرهما من المؤسسات الفلكية.
غير أن التقويم الهجري الإسلامي لا يربط دخول الشهر بلحظة الاقتران وحدها، بل بظهور الهلال بعد غروب الشمس، فالمعيار الشرعي يقوم على الرؤية، باعتبارها علامة انتقال القمر من طور المحاق إلى طور يمكن إدراكه بصرياً "الهلال"، ولهذا تُشكَّل لجان التحري مساء اليوم التاسع والعشرين من كل شهرهجري، لمراقبة الأفق الغربي، فإذا ثبتت رؤية الهلال، أُعلن بدء الشهر، وإن تعذرت الرؤية أُكمل الشهر ثلاثين يوماً.
اليوم الغروبي في الإسلام هو نظام زمني يبدأ فيه احتساب اليوم من غروب الشمس لا من منتصف الليل (اليوم المدني) كما هو معمول به في التقويم الميلادي. فعند غروب الشمس يبدأ يومٌ هجريٌّ جديد، ولذلك تُعدّ ليلة الجمعة – مثلًا – سابقةً ليومها، إذ تبدأ من غروب شمس يوم الخميس، ويستند هذا المفهوم إلى ارتباط العبادات بالأهلة وتعاقب الليل والنهار كما ورد في القرآن الكريم، وإلى ما جرى عليه العمل في التقويم الهجري، وتظهر أهمية اليوم الغروبي في تحديد مواعيد العبادات؛ فدخول شهر رمضان أو يوم عرفة أو ليلة العيد يرتبط بثبوت رؤية الهلال عند الغروب، كما أن أوقات الصيام والإفطار وسائر المواقيت الشرعية تُبنى على هذا النظام، مما يعكس عناية الإسلام بضبط الزمن وفق الظواهر الكونية المشاهدة.
هنا تتجلى الفروق الدقيقة بين "الوجود الفلكي" و"الإمكان البصري"، فقد يحدث الاقتران قبل غروب الشمس، لكن القمر يغرب بعدها بدقائق قليلة لا تسمح برصده، أو يكون ارتفاعه عن الأفق وزاوية استطالته ضعيفين بحيث تستحيل رؤيته عملياً، كما تلعب العوامل الجغرافية دوراً مهماً؛ فاختلاف المطالع بين الشرق والغرب يؤدي إلى تفاوت في توقيت الغروب، ما يمنح بعض المناطق فرصة أفضل لرؤية الهلال، وتبقى الظروف الجوية، من سحب وغبار ورطوبة، عاملاً حاسماً قد يحجب الهلال في بلد ويكشفه في آخر.
الاختلاف إذن ليس دليلاً على خلل في العلم ولا في الشريعة، بل نتيجة طبيعية لتعدد المعايير والاجتهادات، فبعض الدول تعتمد الحساب الفلكي معياراً لإثبات إمكان الرؤية أو استحالتها، وبعضها تعتمد معايير احتمالية الرؤية، وأخرى تشترط الرؤية البصرية المجردة، فيما يجمع فريق ثالث بين الحساب والتقنيات البصرية الحديثة، وفي جميع الحالات، يظل الهدف واحداً: تحري الدقة وصيانة اليقين.
لقد بلغ علم الفلك درجة من التقدم تمكّنه من تحديد لحظة الاقتران بدقة تصل إلى أجزاء من الثانية، كما يمكنه حساب معايير رؤية الهلال وفق نماذج رياضية معقدة تأخذ في الاعتبار الارتفاع الزاوي والاستطالة ونسبة الإضاءة. هذه المعطيات لا تُقصي الرؤية، بل تسندها، إذ تُعين لجان التحري على معرفة متى تكون الرؤية ممكنة، ومتى تكون مستحيلة علمياً.
تُعدّ الشفافية في تحديد معايير الأشهر الهجرية من القضايا المهمة التي تعزز الثقة بين المؤسسات الدينية والمجتمع، خاصةً أن بدايات الشهور ترتبط بعبادات وشعائر أساسية مثل الصيام والحج، وتتحقق الشفافية من خلال إعلان الأسس المعتمدة بوضوح، سواء كانت تعتمد على الرؤية البصرية للهلال أو على الحسابات الفلكية أو الجمع بينهما، مع توضيح آلية الترجيح عند اختلاف الشهادات، كما يسهم نشر البيانات الفلكية ونتائج لجان الترائي وتفسير أسباب القبول أو الرفض في تعزيز المصداقية وتقليل الجدل، إن وضوح الإجراءات وإتاحة المعلومات للعموم يرسخان مبدأ المشاركة المجتمعية ويعززان وحدة الصف، بما يحقق مقاصد الشريعة في التنظيم والتيسير ورفع الحرج
في المحصلة، لا يقف العلم في مواجهة
الإيمان، بل يتكامل معه. فالهلال الذي يُرى بالعين هو ذاته الذي تُحدده المعادلات،
لكن لكل مجال لغته ومنهجه، وبين دقة الحساب وصدق الشهادة، يبقى التقويم الهجري
تجربة حضارية وروحية تربط الإنسان بالسماء، وتذكره بأن الزمن ليس مجرد تعاقب أيام،
بل تأمل دائم في نظام كوني بالغ الإحكام.
Comments
Post a Comment