رمضان 2026

 

 لماذا صيامنا في الأردن صحيح وفق الرؤية الشرعية؟


 

عمار السكجي، فلكي و فيزيائي نظري

لقد أكدت الحسابات الفلكية أن رؤية الهلال كانت غير ممكنة بعد غروب الشمس يوم الثلاثاء 17 شباط في الأردن والعالمين العربي والإسلامي، وقد دعم ذلك تعذر الرصد فعليًا مساء الثلاثاء في الأردن، إذ لم تُسجَّل أي صورة موثقة لهذا الهلال في أي دولة عربية أو إسلامية، والناظر إلى صورة الهلال التي التُقطت مساء الأربعاء يلاحظ أنه كان خيطًا رفيعًا ونحيلاً، وذلك بعد أكثر من 27 ساعة من لحظة تولده، ما يؤكد دقة التقدير الفلكي السابق باستحالة رؤيته في اليوم السابق (الثلاثاء).

إضافة إلى ذلك، لم تنفرد الأردن بالصيام يوم الخميس، بل صام أكثر من 90% من مسلمي العالم ديمغرافيًا في ذلك اليوم وفق المنهج الشرعي، ومنهم: الأردن، مصر، سوريا، سلطنة عُمان، الجزائر، غالبية العراق، المغرب، تونس، جزر القمر، ليبيا، موريتانيا، أذربيجان، ألبانيا، السنغال، الهند، إندونيسيا، أوزبكستان، إيران، بروناي، بنغلادش، بوركينا فاسو، تركمانستان، تركيا، سنغافورة، طاجيكستان، غيانا، قيرغيزستان، كازاخستان، ماليزيا، موزمبيق، إضافة إلى عدد كبير من المناطق في الدول الأوروبية، وأجزاء من الولايات المتحدة الأمريكية، واليابان، وأستراليا.

يعتمد علم الفلك على نماذج رياضية عالية الدقة تحدد لحظة الاقتران (المحاق)، وارتفاع القمر، والاستطالة الزاوية بين الشمس والقمر، وعمر الهلال، وزاوية الطور، ومكثه بعد غروب الشمس، إضافة إلى نسبة الإضاءة وسمك الهلال وطول القوس، بدقة تصل إلى ثوانٍ قوسية، وهذه الحسابات لا تتعلق بإمكانية الرؤية فحسب، بل تقوم على حقائق هندسية وفيزيائية بحتة، من أهمها: هل القمر فوق الأفق أم تحته؟ كم يبلغ ارتفاعه؟ ما مقدار الاستطالة؟ وهل يقع داخل وهج الشمس أم خارجه؟ فإذا أثبتت الحسابات أن القمر تحت الأفق لحظة الغروب، فإن رؤيته تصبح مستحيلة هندسيًا، سواء بالعين المجردة أو بالتلسكوب أو بالتصوير الفلكي او أي طريقة كانت.

ولإبراز مثال عملي على هذه الدقة، نقوم أحيانًا بتصوير عبور محطة الفضاء الدولية أمام قرص الشمس أو القمر، وهي ظاهرة لا يتجاوز زمنها ثانية واحدة أو أجزاءً من الثانية، وتعتمد هذه العملية على حسابات فلكية دقيقة تُحدَّد فيها لحظة العبور ومساره الجغرافي بدقة تصل إلى أجزاء من الثانية، إضافة إلى تحديد شريط الرصد الذي قد لا يتجاوز عرضه بضع كيلومترات، وقد قمنا في الأردن بتصوير مثل هذه الظواهر عدة مرات بنجاح، مع العلم أن تأخر الراصد بضع ثوانٍ فقط كفيل بإفشال عملية التصوير بالكامل، فإذا كانت الحسابات الفلكية تمكّننا من تحديد مرور جرم صناعي صغير وسريع الحركة بهذه الدقة المتناهية، فكيف يُعقل أن نعجز عن تحديد موقع القمر في السماء؟

لقد أُجريت دراسات علمية وإحصائية لشهر رمضان وممتدة لنحو نصف قرن (1950–2000) في الأردن وسوريا والسعودية، قارنت بين إعلانات رؤية الهلال والمعايير الفلكية الدقيقة المعتمدة عالميًا، وأظهرت النتائج أن ما يقارب 88% من ادعاءات الرؤية كانت تتعارض مع شروط ومعايير علم الفلك الخاصة بإمكانية رؤية الهلال، كما بينت البيانات أن نحو 56% من حالات الادعاء بالرؤية خلال تلك الفترة كان القمر فيها تحت الأفق أصلًا لحظة الغروب، ما يجعل الرؤية مستحيلة هندسيًا. وتعكس هذه الأرقام حجم الفجوة التي كانت قائمة بين الشهادة البصرية غير المنضبطة والحسابات الفلكية الدقيقة، وتؤكد الحاجة إلى ضبط آلية الإثبات بمعايير علمية واضحة.

إن هذه النتائج تقود إلى خلاصة واضحة مفادها أن الحساب الفلكي بلغ درجة من الدقة تجعله قادرًا على نفي الرؤية إذا كانت مستحيلة هندسيًا، ولا يوجد تعارض بين الشرع والعلم، وإنما يكمن الإشكال في طريقة التطبيق وفحص الشهادات، ومن هنا فإن الحل يتمثل في اعتماد الحساب كضابط علمي للشهادة؛ فتُرفض الشهادة إذا ثبتت الاستحالة الفلكية، ويُباشر الرصد المنهجي المنضبط إذا ثبتت الإمكانية، إن توحيد المنهج بين الفقهاء والفلكيين، استنادًا إلى الأرقام والمعايير العلمية الدقيقة، يمثل خطوة ضرورية لإنهاء الجدل المتكرر، وتحقيق الانسجام بين أداء العبادة والسنن الكونية الثابتة.

إن قراءة هذه المعطيات لا تهدف إلى التشكيك أو إثارة الجدل، بل إلى التأكيد على أهمية التكامل بين الشهادة البصرية والحساب الفلكي الدقيق، لضمان أن يكون دخول الأشهر الهجرية منسجمًا مع الحقائق الكونية الثابتة، حفاظًا على دقة العبادة ووحدة المرجعية.

في النهاية نقول: إذا أرادت أي دولة أو جهة اعتماد معيار الاقتران الفلكي لدخول الشهر، فلتعلن ذلك بشكل صريح ومباشر وواضح، بدلاً من إعلان رؤيةٍ غير ممكنة أو مستحيلة علميًا، إذ إن الشفافية في المنهج أولى من نسبة أمرٍ إلى الرؤية وهي لا تتحقق وفق المعايير الفلكية، وتقبل الله الصيام لمن صام يوم الاربعاء (حساب الاقتران) ومن صام يوم الخميس (الرؤية الشرعية). 

 

 

 

Comments

Popular posts from this blog

HNY2026

LunisticeDec2025

هلال شوال 2025